ابن كثير

24

البداية والنهاية

بني أسد بن خزيمة ، وأصله من قرية من قرى الري ( 1 ) قاله ابن جرير . قال : وقد خرج أيضا في سنة تسع وأربعين ومائتين بالنجدين فادعى أنه علي بن محمد بن الفضل بن الحسن ( 2 ) بن عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب ، فدعا الناس بهجر إلى طاعته فاتبعه جماعة من أهل هجر ، ووقع بسببه قتال كثير وفتن كبار ، وحروب كثيرة ، ولما خرج خرجته هذه الثانية بظاهر البصرة التف عليه خلق من الزنج الذين يكسحون السباخ ، فعبر بهم دجلة فنزل الديناري ، وكان يزعم لبعض من معه أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة ، وكان يدعي أنه يحفظ سورا من القرآن في ساعة واحدة جرى بها لسانه لا يحفظها غيره في مدة دهر طويل ، وهن سبحان والكهف وص وعم . وزعم أنه فكر يوما وهو في البادية إلى أي بلد يسير فخوطب من سحابة أن يقصد البصرة فقصدها ، فلما اقترب منها وجد أهلها متفرقين على شعبتين ، سعدية وبلالية ، فطمع أن ينضم إلى أحداهما فيستعين بها على الأخرى فلم يقدر على ذلك ، فارتحل إلى بغداد فأقام بها سنة وانتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد ، وكان يزعم بها أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه ، وأن الله يعلمه بذلك ، فتبعه على ذلك جهلة من الطغام ، وطائفة من الرعاع العوام . ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان فاجتمع معه بشر كثير ولكن لم يكن معهم عدد يقاتلون بها فأتاهم جيش من ناحية البصرة فاقتتلوا جميعا ، ولم يكن في جيش هذا الخارجي سوى ثلاثة أسياف ، وأولئك الجيش معهم عدد وعدد ولبوس ، ومع هذا هزم أصحاب هذا الخارجي ذلك الجيش ، وكانوا أربعة آلاف مقاتل ، ثم مضى نحو البصرة بمن معه فأهدى له رجل من أهل جبى فرسا فلم يجد لها سرجا ولا لجاما ، وإنما ألقى عليها حبلا وركبها وسنف حنكها بليف ، ثم صادر رجلا وتهدده بالقتل فأخذ منه مائة وخمسين دينارا وألف درهم ، وكان هذا أول مال نهبه من هذه البلاد ، وأخذ من آخر ثلاثة براذين ، ومن موضع آخر شيئا من الأسلحة والأمتعة ، ثم سار في جيش قليل السلاح والخيول ، ثم جرت بينه وبين نائب البصرة وقعات متعددة يهزمهم فيها وكل ما لامره يقوى وتزداد أصحابه ويعظم أمره ويكثر جيشه ، وهو مع ذلك لا يتعرض لأموال الناس ولا يؤذي أحدا ، وإنما يريد أخذ أموال السلطان . وقد انهزم أصحابه في بعض حروبه هزيمة عظيمة ثم تراجعوا إليه واجتمعوا حوله ، ثم كروا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم خلقا وأسروا آخرين ، وكان لا يؤتى بأسير إلا قتله ثم قوي أمره وخافه أهل البصرة ، وبعث الخليفة إليها مددا ليقاتلوا هذا الخارجي وهو صاحب الزنج قبحه الله ، ثم أشار عليه بعض أصحابه أن يهجم بمن معه على البصرة فيدخلونها عنوة فهجن آراءهم وقال : بل نكون منا قريبا حتى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها ويخطبوننا عليها وسيأتي ما كان من أمره وأمر أهل البصرة في السنة المستقبلة أن شاء الله . وفيها حج بالناس علي بن الحسين ( 3 ) بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن عباس .

--> ( 1 ) في الطبري ومروج الذهب والطبري : وهي : ورزنين ، وقال ياقوت : هي من أعيان قرى الري كالمدينة . ( 2 ) من الطبري 11 / 174 وفي الأصل : الحسين بن عبد الله . ( 3 ) في الطبري 11 / 191 ومروج الذهب 4 / 458 : الحسن .